IMAGE_1644721634

الخلل الفكري والاستراتيجي في تنظيم القاعدة

الخلل الفكري والاستراتيجي في تنظيم القاعدة

يعتبر تنظيم القاعدة من أكثر التنظيمات الإسلامية إثارة للجدل ومخالفة لمبادئ ‏الشريعة… سواء من ناحية الفكر – أي الناحية النظرية – أو الناحية العملية.‏ بل أكاد أجزم أن القاعدة ابتدعت في الإسلام بدعا لم تحدث من قبل، مثل فتوى ‏القتل بالجنسية، أو القتل بالديانة، أو تبني مسئولية المواطن عن سياسة دولته، بل ‏ومحاسبته على سياسة لم يصنعها ولم يشارك فيها، والحجة الباطلة التي استندوا اليها ‏في ذلك هي أن هذا المواطن يدفع الضرائب للدولة. ‏ وتعد فتوى القتل بالجنسية هي أول فتوى تصدر بهذا الشكل في تاريخ الإسلام كله، ‏فقد قاتل الصحابة والتابعون الفرس والروم وأممًا كثيرة أخرى، ولم يقل أحد منهم ‏باستهداف المدنيين، أو بقتل كل رومي أو فارسي. ‏ ومن هذا كله نخلص إلى أن مشكلة القاعدة الأساسية: تكمن في فكرهم قبل أن تكمن ‏في تفجيراتهم، أو أين ستفجر؟ ومتى ستفجر؟ ‏ فإذا تم تفكيك هذا الفكر لدى الشباب الحديث، وبيان عواره؛ فقد قطعنا معظم الطريق ‏للحيلولة بين الشباب وبين قتل الآخرين بغير حق.‏كما أن الحل يكمن أيضا في تدريس فقه الجهاد الإسلامي بطريقة صحيحة سليمة، ‏تبين للناس أن الجهاد فرض من فروض الإسلام، ولكنه كأي فرض له أسباب ‏وشروط وموانع، ويخضع لقياس المصالح والمفاسد، كما يخضع كذلك لفقه النتائج ‏والمآلات.
46056_4_1671445889

مفهوم الجهاد في الإسلام

مفهوم الجهاد في الإسلام

استقر في أذهان كثير من الناس أن الجهاد شرع بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة. لكن ‏الحقيقة العلمية والتاريخية ليست كذلك، فقد حفل العهد المكي بالجهاد كما حفل به العهد ‏المدني، وتحدث القرآن المكي عن الجهاد كما تحدث القرآن المدني.‏

والسبب في هذا التصور الذي استقر في أذهان الكثيرين، أنهم حصروا الجهاد في معناه ‏القتالي ـ ولا شك أن مقاتلة المشركين شرعت بعد الاستقرار في المدينة ـ وهو ما أزال ‏سمة الجهاد عن كثير من أنواعه، بل عن أهم أنواعه.‏

إن أهم أنواع الجهاد، بل المقصود الحقيقي، والمعنى الأساسي له، هو ذاك الذي شرع ‏بمكة، من مواجهة الرسول ﷺ وأصحابه للمشركين بدعوتهم إلى الحق، وثباتهم عليه، ‏وصبرهم على الأذى في سبيل التبصير بكتاب الله تعالى والتعريف به.‏

وهذا ما تحدث عنه القرآن المكي، كما قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿‏فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ‏﴾ [52]. أي: جاهدهم بالقرآن وحججه، كما قال ‏ابن عباس وغيره. وتأمل في تسمية القرآن له: جهادا كبيرا، لتدرك مركزه المتميز بين ‏أنواع الجهاد.‏

وكذا قال الله تعالى في سورة النحل: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ ‏رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ [110].‏

ومما يؤكد هذه الحقيقة في معنى الجهاد: قول النبي ﷺ: «أفضل الجهاد: كلمة حق ‏عند سلطان جائر» [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه]. وقوله ﷺ: «أفضل الجهاد: أن ‏تجاهد نفسك وهواك في ذات الله تعالى» [رواه الترمذي وابن حبان].‏

فالجهاد بهذا المعنى الذي استقر في مكة، هو المصدر الأساسي لما قد تقرع عنه بعد ذلك ‏من أنواع الجهاد، بل هو أشبه بالجذع الثابت من الشجرة في سائر الظروف والأحوال، ‏بينما بقية الأنواع ـ ومنها النوع القتالي ـ أشبه بالأغصان التي تأتي وتذهب بين الحين ‏والآخر، طبقا للظروف والأسباب.‏

ولكن العجب ممن يحمل الجهاد فقط على معناه القتالي، وإذا ذكر بحديث النبي ﷺ ‏الذي ذكرناه، وظَّفه أيضًا للجهاد القتالي، فلم يفهم من كلمة الحق في الحديث إلا المعنى ‏الزجري الباعث على التربص والمنازعة والقتال!!‏

1670026204shiluguri-Jon

الأركان العامة لوسطية الإسلام‏

الأركان العامة لوسطية الإسلام‏

الركن الأول: عقيدة أهل السُّنة والجماعة (عقيدة السلف الصالح).‏

وهي العقيدة الصافية التي لم يداخلها تشويش المعتزلة أو القدَرية أو الجبرية أو ‏المجسِّمة أو غيرهم من الفِرَق المخطئة، وهي العقيدة السُّنية الصحيحة التي نظَّر لها في ‏التصنيف والتأليف أئمة أهل السنة والجماعة: كالإمام أبي الحسن الأشعري، والإمام أبي ‏منصور الماتريدي، والإمام أبي جعفر الطحاوي رضي الله عنهم. وهي عقيدة جماهير ‏المسلمين، بخلاف أهل البدع أو من تأثر بهم من العوام.‏

وأكبر تجليات الوسطية في هذه العقيدة السنية، أنها تعتقد الإيمان في كلِّ من أتى ‏بكلمة الشهادة موقنا بها قلبه، فالإيمان عند أهل السنة هو التصديق القلبي لا غير، وأما ‏العمل فثمرة من ثمرات الإيمان، وليس جزءا من ماهيته، فإذا ما صدَّق القلب بالله تعالى ‏ورسوله ﷺ ، فصاحبه مؤمن وإن أتى بقراب الأرض معصية، فحسابه عند الله تعالى، ‏غير أن لقب الإيمان لا ينزعه عنه أحد.‏

 

وهكذا حمى منهج أهل السنة المجتمع الإنساني من غوائل التكفير، وهجير ‏الإرهاب، ولهيب التعصب، ونيران التطرف، وهي تلك الظواهر التي شقيت بها البشرية، ‏ثم نسبت إلى الإسلام نفسه زورا وبهتانا، بينما الإسلام السمح المعتدل الذي يحمل للبشرية ‏الأمن والعدل والسلام منها براء.‏

لقد كان من تجليات هذه العقيدة السنية: أنها ترى الكف عن ما شجر بين الصحابة ‏الكرام من خلاف، ويقول قائلهم: «تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، فلا نلغ فيها بألسنتنا». ‏وهو ما رشح للسلام المجتمعي بين جناحي الأمة من السنة والشيعة على السواء، بخلاف ‏من يسعى من الفريقين ـ على غير بصيرة وهدى ـ للتقليب في صفحات الماضي البعيد، ‏بغرض إثارة الفتن، واستجرار ألوان من النزاع الذي لا مسوغ له ولا مبرر بين أبناء ‏الأمة الواحدة.‏

 

الركن الثاني: فقه أهل السنة والجماعة (المذاهب الأربعة).‏

لقد كانت رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تهدف في جملتها إلى تحقيق ‏أهداف ثلاثة، ذكرها المولى سبحانه في قوله: ﴿‏هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ‏﴾ ‏‏[الجمعة: 2]. ‏

فهذه الآية تدل على أن تبليغ النص الشريف للأمة هو أحد أهداف الرسالة ‏المحمدية، إذ النص الشريف يحتوي في مضمونه على بيان أحكام الله تعالى في أفعال ‏المكلَّفين من حيث الصِّحةُ والفساد، والحلُّ والحرمة، وهو (الدِّين) بمعناه العملي.‏

 

ولكن معرفة الأحكام الشرعية لا تتأتَّى إلا باستنطاق النصوص الشريفة المتضمنة ‏لتلك الأحكام، من خلال التحليل الدقيق لتلك النصوص، وبإعمال أدوات مخصوصة، ‏فينكشف بذلك الحكم الشرعي.‏

jeurgensmeyer-700x338

تشريح العقل التكفيري

تشريح العقل التكفيري

1ـ العقل التكفيري عقل سطحي: فكل خلاف بينه وبين الآخرين هو خلاف عقيدة.‏

‏2ـ العقل التكفيري عقل متغطرس: فهو ينتمي لمن قال رسول الله ﷺ عنهم، ‏‏«من قال هلك الناس فهو أهلكهم».‏

‏3ـ عقل يسعى للخراب والدمار: ‏

في كل يوم تنشر الصحف عن تفجير محطة محولات، أو ضبط مجموعة تحاول ‏تفجيرها، إما بالمتفجرات أو بأنابيب البوتجاز المشتعلة. ‏

الغريب أن أحد المتهمين يعمل إمامًا وخطيبًا بالأوقاف، وهناك متهم آخر يعمل ‏ناظرًا لإحدى المدارس، وثالث يعمل مدرسًا، وهناك آخرون تخرجوا من كليات ‏عريقة مثل الهندسة والعلوم وغيرها. ‏

والسؤال الآن: كيف لإمام وخطيب يعظ الناس أن يقوم بمثل هذه الأفعال، ويريد ‏الشر والظلام لبني وطنه، وكيف يقوم بذلك مدرس وناظر مدرسة ومهندس، دون أن ‏يفكر أحدهم للحظة في حِلِّ ذلك أو حرمته؟ ‏

ألم يسأل هؤلاء أنفسهم عن حكم هذه الأفعال، وهل تفيد الإسلام أم تضره؟ وهل تفيد ‏قضيتهم أم تسيء إليها؟ ‏

لقد عجبت من هؤلاء الذين اخترعوا وابتدعوا فكرة تفجير وتدمير كابلات ومحولات ‏الكهرباء التي تنير آلاف البيوت والمصانع والمستشفيات والمحلات والعيادات، لأن ‏هذه الفكرة ببساطة تصطدم بأصول الإسلام وقواعده وثوابته، فالكهرباء من أسباب ‏الحياة وقطعها من أسباب قطع الحياة. وهل جاء الإسلام بالأحياء أم بقطع أسباب ‏الحياة؟!‏

ألم ينه الرسول ﷺ عن الضرر والضرار، في حديثه الرائع الجامع المانع: «لا ‏ضرر ولا ضرار»؟! ألم ينه الرسول ﷺ جيوشه التي تحارب الأعداء عن تدمير ‏كل ما هو نافع للناس جميعًا فقال: «لا تقطعوا شجرة ولا نخلة». ‏

وكيف يأمر الإسلام أتباعه بقطع النور والضياء عن الناس، والإسلام في صفته ‏وفلسفته الأساسية هو نور وضياء للناس، نور معنوي، ونور حسي. ‏

ومن الذي شرع أن يبقى الناس في الظلام، ويفرح لذلك ويسعد؟ إن الجريمة الكبرى ‏تكمن في استحلال ذلك والفرح به والسعادة بتحقيق التفجير على أكمل وجه، ‏والفرحة بغيظ الناس من انقطاع الكهرباء، وحنقهم على الحكومة. ‏

فالذي يفرق بين هؤلاء والجنائي العادي الذي قد يسرق كابلات التليفون أو الكهرباء ‏أو قطع غيار السكك الحديدية، أنه يفعل ذلك وهو يدرك حرمته ويخجل منه، أما ‏الذي يستحل تفجير الكابلات أو خطوط الكهرباء ويعتبرها من الإسلام والدين لهو ‏أكبر جرمًا وأعظم إثمًا، لأن استحلال الذنب أعظم من الذنب، والتكبير والتهليل ‏بتحقيق التفجير وانقطاع الكهرباء أعظم مصيبة.‏

إن الدم لا يولد إلا الدم، والعنف لا يولد إلا العنف، والقتل لا يولد إلا القتل، ‏والكراهية تولد الكراهية، والشتائم والسباب يولد الأحقاد، والإقصاء المتبادل يولد ‏تربصا. ﴿من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾. ‏

فعلى الحركة الإسلامية أن تقطع هذه المتوالية الدموية، قبل أن تقطعها وتمزقها ‏وتأتي على آخر فرد فيها، إما سجنا أو هروبا أو قتلاً أو إعداما أو تصفية. ‏

ولنذهب جميعًا إلى «متوالية الحب» التي غزا بها عيسى عليه السلام الكون كله حتى ‏بلغ المنتهى في الإحسان هاتفًا: «أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم».‏

لقد كانت الكنيسة المصرية ذكية حينما قال قادتها عند حرق الكنائس بعد فض ‏اعتصام رابعة: «نحن نصلي من أجل الذين حرقوا كنائسنا». ‏

ولو أنهم وقتها قالوا: «سنحرق من حرقها وندمر من دمرها… ونقتل من آذانا»؛ ‏لدخلوا في دوائر الثأر والانتقام والكراهية ومعارك عبثية لا تنتهي. ‏

46056_4_1671445889

موقف ابن تيمية من تكفير المسلمين

تشريح العقل التكفيري

1ـ العقل التكفيري عقل سطحي: فكل خلاف بينه وبين الآخرين هو خلاف عقيدة.‏

‏2ـ العقل التكفيري عقل متغطرس: فهو ينتمي لمن قال رسول الله ﷺ عنهم، ‏‏«من قال هلك الناس فهو أهلكهم».‏

‏3ـ عقل يسعى للخراب والدمار: ‏

في كل يوم تنشر الصحف عن تفجير محطة محولات، أو ضبط مجموعة تحاول ‏تفجيرها، إما بالمتفجرات أو بأنابيب البوتجاز المشتعلة. ‏

الغريب أن أحد المتهمين يعمل إمامًا وخطيبًا بالأوقاف، وهناك متهم آخر يعمل ‏ناظرًا لإحدى المدارس، وثالث يعمل مدرسًا، وهناك آخرون تخرجوا من كليات ‏عريقة مثل الهندسة والعلوم وغيرها. ‏

والسؤال الآن: كيف لإمام وخطيب يعظ الناس أن يقوم بمثل هذه الأفعال، ويريد ‏الشر والظلام لبني وطنه، وكيف يقوم بذلك مدرس وناظر مدرسة ومهندس، دون أن ‏يفكر أحدهم للحظة في حِلِّ ذلك أو حرمته؟ ‏

ألم يسأل هؤلاء أنفسهم عن حكم هذه الأفعال، وهل تفيد الإسلام أم تضره؟ وهل تفيد ‏قضيتهم أم تسيء إليها؟ ‏

لقد عجبت من هؤلاء الذين اخترعوا وابتدعوا فكرة تفجير وتدمير كابلات ومحولات ‏الكهرباء التي تنير آلاف البيوت والمصانع والمستشفيات والمحلات والعيادات، لأن ‏هذه الفكرة ببساطة تصطدم بأصول الإسلام وقواعده وثوابته، فالكهرباء من أسباب ‏الحياة وقطعها من أسباب قطع الحياة. وهل جاء الإسلام بالأحياء أم بقطع أسباب ‏الحياة؟!‏

ألم ينه الرسول ﷺ عن الضرر والضرار، في حديثه الرائع الجامع المانع: «لا ‏ضرر ولا ضرار»؟! ألم ينه الرسول ﷺ جيوشه التي تحارب الأعداء عن تدمير ‏كل ما هو نافع للناس جميعًا فقال: «لا تقطعوا شجرة ولا نخلة». ‏

وكيف يأمر الإسلام أتباعه بقطع النور والضياء عن الناس، والإسلام في صفته ‏وفلسفته الأساسية هو نور وضياء للناس، نور معنوي، ونور حسي. ‏

ومن الذي شرع أن يبقى الناس في الظلام، ويفرح لذلك ويسعد؟ إن الجريمة الكبرى ‏تكمن في استحلال ذلك والفرح به والسعادة بتحقيق التفجير على أكمل وجه، ‏والفرحة بغيظ الناس من انقطاع الكهرباء، وحنقهم على الحكومة. ‏

فالذي يفرق بين هؤلاء والجنائي العادي الذي قد يسرق كابلات التليفون أو الكهرباء ‏أو قطع غيار السكك الحديدية، أنه يفعل ذلك وهو يدرك حرمته ويخجل منه، أما ‏الذي يستحل تفجير الكابلات أو خطوط الكهرباء ويعتبرها من الإسلام والدين لهو ‏أكبر جرمًا وأعظم إثمًا، لأن استحلال الذنب أعظم من الذنب، والتكبير والتهليل ‏بتحقيق التفجير وانقطاع الكهرباء أعظم مصيبة.‏

إن الدم لا يولد إلا الدم، والعنف لا يولد إلا العنف، والقتل لا يولد إلا القتل، ‏والكراهية تولد الكراهية، والشتائم والسباب يولد الأحقاد، والإقصاء المتبادل يولد ‏تربصا. ﴿من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾. ‏

فعلى الحركة الإسلامية أن تقطع هذه المتوالية الدموية، قبل أن تقطعها وتمزقها ‏وتأتي على آخر فرد فيها، إما سجنا أو هروبا أو قتلاً أو إعداما أو تصفية. ‏

ولنذهب جميعًا إلى «متوالية الحب» التي غزا بها عيسى عليه السلام الكون كله حتى ‏بلغ المنتهى في الإحسان هاتفًا: «أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم».‏

لقد كانت الكنيسة المصرية ذكية حينما قال قادتها عند حرق الكنائس بعد فض ‏اعتصام رابعة: «نحن نصلي من أجل الذين حرقوا كنائسنا». ‏

ولو أنهم وقتها قالوا: «سنحرق من حرقها وندمر من دمرها… ونقتل من آذانا»؛ ‏لدخلوا في دوائر الثأر والانتقام والكراهية ومعارك عبثية لا تنتهي. ‏

 

Blessed_tree_in_Jordan

الفرق بين فكر التكفيريين وفكر الصحابة والتابعين الفرق بين فكر التكفيريين وفكر الصحابة والتابعين

الفرق بين فكر التكفيريين وفكر الصحابة والتابعين الفرق بين فكر التكفيريين وفكر الصحابة والتابعين

يختلف فكر التكفيريين عن فكر الصحابة والتابعين والعلماء، في أن أي خلاف فقهي ‏أو فكري أو سياسي بين التكفيريين والآخرين هو خلاف حق وباطل، وكفر وإيمان، ‏وحزب الله وحزب الشيطان، وموالاة المؤمنين ومولاة الكافرين. ‏أما الخلاف بين الصحابة والتابعين والعلماء فهو خلاف راجح ومرجوح، وصواب ‏وخطأ. فقد اختلف الصحابة والتابعون والعلماء ولم يكفر بعضهم بعضًا، ولم يفسق ‏بعضهم بعضًا، بل كان يعذر بعضهم بعضًا. ‏

 

Islamic-Law-e1558007046411

مفهوم الوسطية فى الاسلام

مفهوم الوسطية فى الاسلام

الإسلام دين الوسطية، ولقد شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الوسطية: جَعْلاً ‏إلهيّا، وليس اختيارًا من خيارات المؤمنين بالإسلام، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً ‏وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:143].

‏وقد جعلت هذه الآية الكريمة الوسطية علة وسببًا يترتب عليه اتخاذ الأمة ‏الإسلامية موقع الشهود على الناس، بما فيهم من أمم وشعوب وملل ورسالات وثقافات ‏وحضارات. ‏وذلك التعليل وثيق الصلة بمعنى «الوسطية»، ومعنى «الشهود»؛ فالوسط: هو ‏السَّواء والعدل(‏ ‏)، والعدل هو الشرط المؤهِّل للشهادة والشهود على الناس.‏

ولأن هذه الأمة الخاتمة قد آمنت بكلِّ النبوات والرسالات والكتب السماوية، كانت ‏وحدها المؤهلة للشهادة على الناس، وعلى تبليغ كلِّ الرسل رسالاتهم إلى أمم هذه ‏الرسالات.‏
مصطلح الوسطية:‏
وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أنه «لا مُشاحَّة في الألفاظ والمصطلحات»(‏ ‏)، ‏فإن انتفاء هذه «المشاحة» واقف فقط عند استخدام هذه الألفاظ وهذه المصطلحات، أما ‏المضامين والمفاهيم المقصودة من وراء استخدام هذه المصطلحات فإن فيها الكثير من ‏المشاحات، وخاصة عندما تتعدد – وأحيانا تتناقض – المفاهيم المرادة من وراء ‏المصطلح الواحد؛ بسبب تعدد الثقافات والحضارات والفلسفات والمواريث.‏
وكذلك الحال مع مصطلح «الوسطية»، فإنه يعني في «الفكر السُّوقي»: التَّميُّع ‏وانعدام التحديد وافتقار الموقف ـ الوسطي ـ إلى اللون والطعم والرائحة! ‏
بينما يعني في الفكر الأرِسطي: الفضيلة بين رذيلتين، أي الموقف الثالث الذي هو ‏بمثابة نقطة رياضية ثابتة بين قطبين، مع المغايرة الكاملة بين هذا الموقف الثالث ـ ‏الوسطي ـ وبين هذين القطبين. ‏
ولكن المفهوم الإسلامي للوسطية ليس كذلك، فالوسطية في الإسلام وسطية ‏جامعة، تمثل موقفًا ثالثا بين القطبين المتقابلين والمتناقضين، لكنها لا تغاير هذين ‏القطبين مغايرة تامة، وإنما تَجمع منهما عناصرَ الحق والعدل؛ لتكوِّن منها وبها هذا ‏الموقف الوسطي الجديد، فهي في حقيقتها رفضٌ للغلوّ الذي ينحاز إلى قطبٍ واحدٍ من ‏هذين القطبين: غلو الإفراط أو غلو التفريط.‏
فوسطية الإسلام الرافضة للغلو المادي والغلو الروحي هي وسطية لا تغير المادة ‏والمادية، ولا الرُّوح والروحانية كلية، وإنما هي الوسطية الجامعة لعناصر الحق والعدل ‏من المادية والروحانية جميعا، على النحو الذي يوازن توازن العدل بينهما؛ ولذلك فإنها ‏تصوغ الإنسان الوسط: راهب الليل وفارس النهار، الجامع بين الفردية والجماعية، بين ‏الدنيا والآخرة، بين التبتل للخالق والاستمتاع بطيبات وجماليات الحياة التي خلقها الله ‏وسخرها لهذا الإنسان.‏ تحقق الوسطية الكاملة في النبي ﷺ:‏ ولأن النموذج والقدوة والأسوة تنهض بالدور الأول في ميدان التربية والتزكية ‏والصياغة للإنسان والمجتمع والثقافة والحضارة، فلقد شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون ‏القدوة والأسوة للأمة الوسط: ذلك النبي الأمي الذي جسدت حياته أكمل نموذج لوسطية ‏إسلامية جامعة يمكن أن يتحقق في دنيا الناس.‏
‏ لقد صنعه الله على عينه ليكون نموذج هذه الوسطية الإسلامية وقدوتها وأسوتها، ‏فهو بشَر يوحَى إليه، بشر تجوز عليه كل عوارض البشرية، يولد ويمرض ويألم ‏ويموت، وهو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ولا يأتي من الخوارق إلا ما آتاه الله، ‏وفي ذات الوقت ـ ولأنه يوحى إليه ـ فلقد مثَّل رباط الأرض بالسماء، وحلقة الوصل بين ‏عالم الشهادة وعالم الغيب.‏
‏ وبعبارة الشيخ محمد عبده: «فإن روحه ﷺ ممدودة من الجلال الإلهي بما لا يمكن ‏معه لنفس إنسانية أن تسطو عليها سطوة روحانية، فهو يشرف على الغيب بإذن الله، ‏ويعلم ما سيكون من شأن الناس فيه، وهو في مرتبته العُلوية على نسبة من العالمين، ‏نهاية الشاهد وبداية الغائب، فهو في الدنيا كأنه ليس من أهلها، وهو وفد الآخرة في لباس ‏من ليس من سكانها، يتلقى من أمر الله ويحدّث عن جلاله بما خفي عن العقول من ‏شؤون حضرته الرفيعة بما يشاء أن يعتقدَ العباد فيه، معبرا عنه بما تحتمله طاقة عقولهم ‏ولا يبعد عن متناول أفهامهم، ثم هو بعد ذلك بشر يعتريه ما يعتري سائر أفراد البشر ‏مما لا يقدح في مقتضيات رسالته»(‏ ‏).‏
لقد أدّبه ربه فأحسن تأديبه، فكان على خلق عظيم، وجَمعت حياته وسياساته بين ‏الاجتهاد الإنساني، وبين الوحي المسدِّد للاجتهاد والحاكمِ فيما لا يستقل به الاجتهاد، فهو ‏ﷺ العابد المتبتّل الذي يقف بين يدي مولاه حتى تتورم قدماه، وهو الذي جعل رهبانيته ‏ورهبانية أمته الجهاد في سبيل الله، حتى لقد كان الفارسَ المقاتل الذي يحتمي به ‏الفرسان إذا اشتد القتال، وازداد البأس، وحمي الوطيس، واحمرت الحدق، فلا يكون أحد ‏أقرب إلى الأعداء منه ﷺ.‏ ومع ذلك كان أشد حياء من العذراء في خدرها، ولقد جعل الحياء في شريعته ‏شعبة من شعب الإيمان. كان أشجع الناس وأحلم الناس، كانت عبادته مجاهدة وجهادا، ‏وكان جهاده عبادة وتقربا إلى الله.‏ وفي قدوته وأسوته جمعت الوسطية بين قوة الصبر والمصابرة، وبين ذروة ‏الخشوع والخضوع في الصلاة، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ‏الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:45].‏

وكذلك جمعت قدوته وأسوته بين الرفق الرفيق بالإنسان ـ مطلق الإنسان ـ ‏والحيوان والنبات والبيئة ـ بما في ذلك الجماد ـ لأنها جميعها حية تسبح بحمد خالقها ـ ‏حتى وإن لم نفقه تسبيحها ـ وبين الغضب الشديد لدين الله وحرمات الله وحدود الله. ‏
كما جمعت قدوته وأسوته بين زهد الغَنِيّ في متاع الدنيا وبين عشق الجمال الذي ‏خلقه الله وبثه زينة في هذا الكون الجميل، فكانت وصاياه باختيار الاسم الحسن ‏والاستمتاع باللهو الحلال والاستعاذة بالله من كآبة المنظر. ‏كما جمعت وسطيته بين تفضيل الحياة مع المساكين وبين الرقة والزينة، حتى لقد ‏جاء في صفاته وشمائله أنه «لم تكن يد ألين من يده، ولا ريح أطيب من ريحه، أطيب ‏رائحة من المسك، فكان وجهه يبرق من السرور، وكأن عرقَه اللؤلؤ». (رواه الإمام ‏أحمد). ‏كما جمعت وسطيته بين تبتل العابد عندما يعتكف بالمسجد وبين الزينة حتى أثناء ‏الاعتكاف، فكان يناول رأسه لعائشة رضي الله عنها وهي في حجرتها لترجِّل له شعره ‏ﷺ. وهكذا جسَّدت القدوة والأسوة النبوية بهذه الوسطية الإسلامية الجامعة نموذج ‏الإنسان الكامل الذي امتاز وتميز عن غلو الإفراط والتفريط.‏
تمثل الوسطية الإسلامية في منهج أهل السنة والجماعة:‏
ولقد تهذبت به ﷺ نفوس أصحابه الكرام، حتى كانت سلوكياتهم ومعاملاتهم للخلق ‏في تمام الاعتدال والقصد، فورثوا وسطية الإسلام الحقة التي أرسى قواعدها رسول الله ‏ﷺ.‏ وقد تمثلت وسطية الإسلام بعد ذلك في منهج جامع رصين، سماه المسلمون بـ ‏‏«منهج أهل السنة والجماعة»، إذ مَثَّل هذا المنهج ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ‏عقيدة وعملًا وحالًا.‏ولقد أيَّد الله تعالى هذا المنهج القويم ـ على مَرِّ العصور ـ بعدد من كُبريات المدارس ‏العِلمية في حواضر الإسلام، عمِلت على تحريره وتنقيحه ورَدِّ الشُّبه التي تثار من حوله، ‏وعلى تخريج العلماء الأجلّاء النُّبلاء، وحمَلت على عاتقها أمانة الهداية العامّـة، والدعوة ‏إلى الله تعالى، فاستمسكت بميزان الاعتدال، وجسدت وسطية الإسلام تجسيدًا فعالا، تلك ‏الوسطية التي تمثل نسيج الإسلام الساري في أوامره ونواهيه، وقيمه ومقاصده، تلك ‏الوسطية التي كتب الله تعالى بواسطتها للإسلام الخلود والبقاء، والشهادة على البشرية ‏جمعاء.‏
لقد كان استمساك تلك المدارس بميزان الاعتدال، وتجسيده الفعال للوسطية ‏الإسلامية، تلك الوسطية التي تمثل نسيج الإسلام الساري في أوامره ونواهيه، وقيمه ‏ومقاصده، تلك الوسطية التي كتب الله تعالى بواسطتها للإسلام الخلود والبقاء، والشهادة ‏على البشرية جمعاء(‏ ‏).‏بيد أن وسطية الإسلام التي مثلتها مدارس الأمة العلمية لم تكن مجرد دعوى ‏عريضة أو ادعاء أجوف، بل كانت ذات تجليات رئيسة تجاه القضايا الخطيرة الكبرى ‏في الإسلام، تمثلت في المحافظة على الأركان الثلاثة الرئيسة، التي تمثل بدورها المعالم ‏الواضحة لوسطية الإسلام، متمثلة في منهج أهل السنة والجماعة، وهي: عقيدة أهل ‏السُّنة والجماعة، وفقه أهل السنة والجماعة، وسلوك أهل السنة والجماعة.‏